كل ما تريد معرفته عن صلاة الاستخارة ودعاءها وشروطها وحكمها

 

صلاة الاستخارة ودعاءها وأهميتها
ماذا تعرف عن صلاة الاستخارة؟ وكيفية أداها؟

صلاة الاستخارة هي من صلوات النوافل أي من الصلوات غير المفروضة كالصلوات الخمس، فهي ركعتان يؤديهما المُسلم بحسب رغبته وقتما يريد بأحكام شرعية مخصوصة -سنوضحها فيما بعد-، ويؤديهما إذا كان متحيرًا بين أمرين فيرجعون الله وتوفيقه في الاختيار بينهما.

ما هي صلاة الاستخارة؟

معنى كلمة صلاة الاستخارة هي الصلاة في معناها اللغوي هي الدعاء ومعناها الاصطلاحي هي التعبد بالقيام بأعمال مخصوصة في وقت مخصوص تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، ومعنى الاستخارة اللغوي هو طلب الخيرة من الله، والاصطلاحي هو طلب العبد للحصول على القرار الصائب بالاستعانة بالله في أمر قد عجز عنه العبد عن طريق صلاة مخصوصة، أي هي تفويض الله (تبارك وتعالى) وتوكل عليه واستقسام بقدرته وعلمه

وعرفها ابن القيم بقوله: “والمقصود أن الاستخارة توكُل على الله وتفويض إليه، واستقسام بقدرته وعلمه وحُسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضا به ربًا الذي لا يذوق طعم الإيمان، من لم يكن كذلك، وإن رضى بالمقدور بعدها، فذلك علامة سعادته”

حكم صلاة الاستخارة

أَجْمَعَ الْعلماء على أَن الاستخارة سُنة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكان يؤديها ويعلمها أصحابه تعليمًا أكيدًا لأهميتها، ودليلها حديث جابر بن عبد الله (رضى الله عنهما): كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ …” رواه البخاري أي أنه يعلمها لهم ثم يكرر ويكرر كما يعلم الشيخ تلميذه السورة من القرآن أي لا يكتفي بمرة واحدة بل يذكرهم بها في كل وقت.

الاسْتِخَارَةَ سُنَّةٌ، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ

فوائد صلاة الاستخارة

أهمية صلاة الاستخارة ووقتها وحكمها

فوائد الاستخارة كثيرة في الدنيا والآخرة، فمنها:

  • هي صلاة من الصلوات المسنونة، ولذا فأجرها مثل أجر صلاة التطوع ركعتين، ولذلك فهي توضع في رصيد الحسنات وترفع الدرجات وتكفر السيئات، وفي الصحيح حديث عثمان (رضى الله عنه) في صفة الوضوء، وفي آخره قوله (صلى الله عليه وسلم): من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه، وحديث عقبة بن عامر (رضى الله عنه) قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “ما منكم من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة، وغُفر له” حديث صحيح، مسند أحمد بن حنبل، سنن أبي داود، صحيح ابن حبان.
  • إظهار العبودية والافتقار إلى الله (سبحانه)، فأنت تقر بأنك عبد ضعيف أمام إله قوي، وعبد عاجز أمام إله قادر، وعبد لا يعلم الغيب أمام رب هو مالك الغيب لا عالمه فقط وهو الذي يقول للشئ كن فيكون، لذا فهذه الركعات هي التسليم المطلق لله (سبحانه).
  • فائدة الاستخارة هي تمامًا مثل فائدة الدعاء، فتقول السيدة عائشة‏:‏ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)‏:‏ ‏”‏لا ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة‏”‏‏، رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وحينئذ الاستخارة تنفع في ما نزل من البلاء وفيما لم ينزل

وقد أرسل سؤال إلى علماء اللجنة الدائمة للإفتاء ما فائدة الدعاء إذا كان القدر مكتوبا؟ أجابوا: بأنّ الله (تعالى) شرعَ الدعاء، وقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وعليه إذا فعل العبد السبب المشروع ودعا فهذا من القضاء، ورد القضاء بقضاء إذا أراد الله ذلك.

ما هي شروط صلاة الاستخارة؟

لصلاة الاستخارة شروط عامة لأنها صلاة فيجب لها شروط الصلاة، ولها شروط خاصة بها لأنها صلاة مخصوصة.

فمن الشروط العامة لها لكونها صلاة ما يلي:

  • الشرط الأول: الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر

أي الغسل لمن كان محتاجًا للغسل من جنابة أو غيره، والوضوء لمن كان محدثًا حدثًا أصغر، ويُضاف إليه شروط خاصة بالنساء، وهي الطهارة من الحيض أو النفاس، حيث قال النَّبي (صلى الله عليه وسلم): (لا تُقبلُ صلاةٌ بغيرِ طُهورٍ). رواه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن عمر (رضى الله عنهما).

  • الشرط الثاني: طهارة البدن والثوب والمكان

أي طهارة البدن من أي نجاسة وصلت إليه، وطهارة الثوب كذلك من النجاسات كالدم والبول وغيره، وطهارة المكان الذي ستؤدى فيه الصلاة.

  • الشرط الثالث: ستر العورة

وحدودها بالنسبة للرجل ما بين السرة إلى الركبة، وبالنسبة للمرأة كل بدنها ما عدا الوجه والكفين على قول أكثر العلماء.

  • الشرط الرابع: استقبال القِبلة

فلا تُقبل صلاة إذا اتجه صاحبها لغير القبلة لقول الله (تعالى): (فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) سورة البقرة 150، ولكن بالنسبة لصلاة الاستخارة، فيوجد استثناء لأنها صلاة نافلة، ويمكن أن يؤديها المسلم أو المسلمة في حال الركوب والسفر على مَقعده تخفيفًا لو كان متعذرًا الاتجاه للقبلة.

  • الشرط الخامس للصلاة -عمومًا- هو وقت صلاة الاستخارة

لا تُقبل أي صلاة فرضية قبل موعدها، أما بالنسبة للاستخارة، فليس لها وقت محدد ينبغي الانتظار لدخوله، وبالنسبة لأوقات النهي عن صلاة الاستخارة فهي ثلاث؛ وقت ما بين صلاة الصبح إلى شروق الشمس، ووقت استواء الشمس في الظهيرة، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس

أما عن شروط صلاة الاستخارة الخاصة بها، فهي:

  • أن تكون الاستخارة على أمر مُباح فلا استخارة على طاعة أو معصية

فلا تجوز الاستخارة على أمر مُحرم أو فيه معصية أو قطيعة رحم أو أي شيء من هذا القبيل لأنه أمر مُحرم فِعله بالكليةً، ومن الاستهزاء والاستهانة بالدين وبالله (تعالى) أن يستخير الإنسان على فعل محرم.

وكذلك لا يجوز الاستخارة في طاعة، فهي أمر مطلوب شرعًا من المُسلم، كالحج وصيام رمضان وهكذا، ولكن تجوز الاستخارة في التوقيت الموسع كالعمرة هذا العام أو التالي أو الرفقة، أي رفقة المجموعة هذه أم تلك وهكذا، فالاستخارة ليست في الطاعات لأن الطاعات سواء كانت واجبة أو تطوعًا أمر محمود فلا استخارة فيه، والاستخارة أصلًا بين أمرين لا يدري المرء خيرهما من شرهما أو في أمر لا يدري الإنسان خيره من شره.

  • ينبغي أن يكون المسلم غير مائل إلى قرار معين قبل الصلاة
مقال مُميز:  دعاء الاستخارة وكيف تعرف نتيجة صلاة الاستخارة

إذا قام بالاستخارة يترك بعدها أمره لربه (سبحانه) ويفعل ما ييسره الله، فهو الأصوب والأكثر نفعًا له في دنياه وآخرته، ولأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إذا همّ” والهَمّ؛ هو مجرد حركة داخلية لم يعقبها أي عمل، أما العزم؛ فهو الذي يكون فيه الإنسان قد أخذ خطوات عملية؛ بمعنى إذا فكر الرجل في خِطبة فتاة، ولم يحدث أحدًا، فهذا هو “الهم”، أما إذا حدث أهلها وحدد موعدًا والتقى بأسرتها، فهذا هو “العزم”، فالأفضل أن يستخير في مرحلة الهمّ قبل أن يقدم على أي خطوة حتى لا يؤذي أحدًا من المسلمين برجوعه عن قراره.

  • الاستشارة مع الاستخارة

يفضل أن يستشير الإنسان أهل الصلاح الأكبر منه سنًا والأكثر علمًا والأعلم ببواطن الأمر الذي سيقدم عليه لعلهم يفيدونه بأمور وحقائق كانت عنه خافية ثم يستخير ربه (تبارك وتعالى) ، فقد قال (تعالى) “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ”، سورة آل عمران، 159، وإِذا استشار أهل الصلاح والمعرفة وظهر له ما يطمئنه واستخار الله (تعالى) ووجد انشراحًا في صدره فليقدم.

وقد قال ابن تيمية -رحمه الله (تعالى)-: “ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين وثُبت في أمره”، وقال مثله النووي رحمه الله.

  • عدم الاستعجال بالنتيجة

كذلك ينبغي للمُستخير عدم تعجل نتيجة الاستخارة، فربما كان إبطاؤها نتيجة لها بصرفه عنها، فعن أبي هريرة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يُستَجاب لأحدِكُم ما لَم يَعجَلْ، يقولُ: دَعوتُ فلَم يُستَجَبْ لي). رواه البخاري.

  • الرضا بما يقدره الله حتى لو كان ضد هواك ورغبتك

فيجب عليك الرضا لأنك استخرت من يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور الذي يَعلم ولا تَعلم ويُقدر ولا تَقدر، فارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس.

كيفية صلاة الاستخارة

لا توجد لها كيفية مُختلفة عن كل صلاة تطوع إلا أن فيها دعاءًا يدعو به المُسلم بعدما ينتهي من صلاته، وأوضح حديث في شرحها الحديث المتفق عليه البخاري ومسلم

عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضى الله عنهما) حيث قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلِّمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمْر فليَركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدِرك بقدرَتِك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تُقدر ولا أقدِر، وتعلَم ولا أعلَم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلَم أن هذا الأمر -ويسميه- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويَسِّرْه لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضِنِي به).

وما يُستفاد من الحديث في كيفية الصلاة:

“إذا همَّ أحدكم بالأمْر” أي في بداية الأمر عند مرحلة الهمّ، وقبل أن يكون له رغبة أو ميل له أو صد عنه، فيسرع إلى صلاة الاستخارة والأفضل أن تكون بعد استشارة الصالحين والعالمين ببواطن الأمور.

“فليَركع ركعتين من غير الفريضة”، أي أنها صلاة ركعتين نافلة، فلا تصح مع الفرائض حتى لو كانت صلاة صُبح، بل يشترط أن تكون الركعتان خاصين بهذه الصلاة أي يشترط أن تكون النية حاضرة قبل أدائهما.

“ثم ليقل” أي بعد أداء الركعتين، وهنا نجد أن أقوال العلماء في هذا الخلاف مَقبولة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يحدد بعد الانتهاء من الصلاة كلها أم بعد الانتهاء من التشهد أي إنه قبل السلام أم بعده، فالذي قال بجواز الدعاء قبل التسليم ابن حجر وشيخ الإسلام بن تيميه، ولكن الراجح أن يكون الدعاء بعد التسليم على الصحيح من أقوال أهل العلم.

ثم يقل دعاء الاستخارة كاملًا كما هو مذكور بالأعلى، ويسمي الأمر الذي يقوم بالاستخارة من شأنه في الدعاء، فيقول اللهم أن كنت تعلم أن زواجي من فلانة، أو شراكتي لفلان في عمل كذا، وهكذا، ويُكمل الدعاء حتى يختمه

دعاء صلاة الاستخارة

وُرد دعاء صلاة الاستخارة في الحديث السابق حديث جابر بن عبد الله المتفق عليه في البخاري ومسلم، وهما أعلى درجات صحة الحديث، وبه نقاط هامة وهي:

  • الدعاء هو العبادة كما قال (صلى الله عليه وسلم) والله يُحب الذين يدعونه بل أمر بدعائه ووعدنا بالاستجابة، فقال “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” لكن توعد من يتكبرون عن الدعاء والعبادة في تكملة الآية فقال “إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” [غافر 60].
  • الخير والشر لا يعلمهما الإنسان، بل قد يظن الإنسان الأمر خير، وهو شر له وقد يظن الأمر شرًا وهو خير له، فقال (سبحانه) “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” البقرة (216)
  • الدنيا والآخرة متصلتان فقد يكون الأمر في الدنيا خيرًا لكنه في الحياة الآخرة شر، فيحزن الإنسان أن نتيجة الاستخارة أن صرفه الله عنه، كمن يجد عملًا في مكان مُحرم، ويستخير الله على العمل هل يقبله أم يرفضه؟ لا شك أنه خير في الدنيا سينال المال أو الجاه والمنصب لكنه سيكون شرًا في الآخرة، ولهذا جمع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الدعاء “عاجل أمري وآجله” حتى نطمئن أنه إذا منعنا الله أمرًا محببًا نثق أنه الأفضل لنا في دنيانا وآخرتنا، فلا ننظر إلى عاجل أمرنا دون آجله.
  • في نهاية الدعاء العظيم دعاء الاستخارة “واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضِنِي به” وهو من أفضل الدعاء تدعو به لنفسك ولأحبتك، فلا تسأل الله لنفسك شيئًا مُحددًا في الدنيا لأنك لا تدري إن قَدره الله لك سيكون خيرًا لك أم شرًا، فربما دعوت لنفسك بما تظنه خيرًا واستجابه الله وظهر شره بعد ذلك، وقد يلح عليك صديق أو حبيب لك بالدعاء له بشيء مُعين وتحزن لما يصيبه من شر، فالأفضل أن تدعو لنفسك وأحبتك من مَطلوبات الدنيا وتقول “اللهم اقدر لنا الخير حيث كان ثم أرضنا به”.
مقال مُميز:  تعلم صلاة الاستخارة ودعاء الاستخارة لحسم قراراتك

موضع دعاء الاستخارة في الصلاة

دائمًا ما تثار الأسئلة في الاستخارة عن توقيت الدعاء هل هو خارج الصلاة -أي بعد إتمامها- أم في أثناء الصلاة؟ وإذا كان أثناء الصلاة ففي أي موضعٍ منها؟ هل هو في السجود الأخير أم بعد التشهد، وكل هذه الأسئلة تثار من زمن بعيد لأن الحديث النبوي لم يحدد موضعها بصورة ملزمة.

واستدل أكثر العلماء علة أنها بعد الفراغ من الصلاة وبعد التسليم استدلالًا بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) “ثم” وهي التي تفيد التعقيب على التراخي واستدلالًا بكلمة “فليركع ركعتين” لأنه في العرف ما دام في داخل الصلاة، فلا يمكن أن يُقال أنه أدى الركعتين، فأداؤهما يعني الانتهاء منهما بالتسليم، واستدل آخرون بأنه يمكن الدعاء في الصلاة قبل التسليم لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يُحدد على سبيل القطع، ولو كان الأمر مقطوعًا به بصورة لكان قد أكد عليها.

ولكن إتباعًا لأكثر العلماء وقوة دليلهم رجح العلماء أنها بعد الفراغ من الصلاة، ويُسن عند كل دعاء أن يرفع الإنسان يديه.

دعاء الاستخارة للزواج

كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلم صحابته الاستخارة في كل الأمور، فتعلموا وعلمونا أنه في كل القرارات التي نتحير فيها ينبغي أن نلجأ إلى الله بصلاة الاستخارة.

وقرار الزواج هو من أهم القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته سواء كان رجلًا أو امرأةً لأنه سيربط حياته ومستقبله كله بالطرف الأخر، فيمكن أن يساهم في رفعة شأنه ويوصله معه إلى أعلى درجات السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة، ويمكنه أيضًا أن يساهم بصورة شديدة في سَحق شخصيته وانحدار خُلقه وفَشله في الدنيا والآخرة.

فالإنسان يستخير ربه في صُحبة سَفر ليوم أو يومين، فكيف بصحبة العمر؟ والإنسان يستخير ربه في شراكة شخص في درهم أو درهمين، فكيف بالشراكة الطويلة؟! والتي لا تكون خسارتها بالمال، فيمكن تعويضه، وإنما خسارتها بما لا يمكن لكل ما في الدنيا من أملاك تعويضه ألا وهو العمر.

إذن هذا القرار أوجب أن يكون فيه استخارة لله (سبحانه)، فالتجمل والخداع الأخلاقي والسلوكي كثيرًا جدًا ومن ظَنّ إنه يَعرف الناس، فقد يجد نفسه في يوم من الأيام أجهل الناس بالناس، لذلك فالاستخارة أن تستخير مَن يعلم خفايا النفوس وطوايا القلوب، فلا غنى لك في أمر الزواج عن الاستخارة.

وكذلك الفتاة ينبغي عليها أن تقوم هي أو أحد من أسرتها بالاستخارة على أي خاطب يتقدم لها مهما كانت درجة إعجابها وإعجاب أسرتها به، وسأضرب لكم أعظم مثال لضرورة الاستخارة حين تقدم أي خاطب.

السيدة زينب بنت جحش هي ابنة عمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكانت متزوجة وطُلقت وانتهت عِدتها، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لها ليتقدم لها ليتزوجها، فهل تتخيل أن تقوم امرأة بالاستخارة في الزواج برسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟

فعن أنس (رضى الله عنه) قال: لما انقضت عِدة زينب قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لزيد فاذُكرها علي، قال: فانطلق زيد حتى أتاها، وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذَكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت يا زينب: أرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن …”

فهذه زينب المؤمنة وهي ابنة عمة الرسول، والذي تقدم له هو رسول الله، لكنها قالت: “ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي” أي أنني لن أرد بالموافقة أو عدمها إلا بعد أن أصلى الاستخارة، فذهبت إلى مسجد بيتها أي إلى المكان الذي خصصته للصلاة في بيتها.

وهكذا تأكدت لنا ضرورة الاستخارة كما علمهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

طريقة صلاة الاستخارة للزواج

صلاة الاستخارة للزواج مثل صلاة الاستخارة العامة لا تختلف عنها، ولكنها تتحدث عن تسمية الأمر الذي ورد في حديث جابر بالزواج من فلانة أو فلان، فعن أبي أيوب الأنصاري أنّه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (اكتُمِ الخِطبةَ، ثمَّ توضَّأ، فأحسِنْ وضوءَك، ثمَّ صلِّ ما كتَب اللهُ لك، ثمَّ احمَدْ ربَّك ومجِّدْه، ثمَّ قلِ: اللَّهمَّ إنَّك تقدِرُ ولا أقدِرُ وتعلَمُ ولا أعلَمُ وأنتَ علَّامُ الغيوبِ فإنْ رأَيْتَ في فلانةَ – تُسمِّيها باسمِها – خيرًا لي في دِيني ودنياي وآخرتي فاقدُرْها لي وإنْ كان غيرُها خيرًا لي منها في دِيني ودنياي وآخرتي فاقضِ لي ذلك)، رواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ الكبير

وهذا الدعاء بصيغة مُختلفة اختلافًا طفيفًا عن الصيغة في حديث جابر، أما بالنسبة لعدد مرات صلاة الاستخارة للزواج فلم تقصر صلاة الاستخارة على ركعتين بل يصلى الإنسان ما شاء الله له أن يصلى بحسب ما يريد، وبمثل ذلك تفعل الفتاة أو أهلها.

دعاء الاستخارة للسفر

السفر -وخاصة السفر الطويل- إلى بلاد أخرى للعمل أو الدراسة أو ما شابه من القرارات الهامة جدًا، والتي ينبغي أن يكون فيها صلاة استخارة، فلا أحد يعلم الغيب إلا الله، ولهذا كان من السُنة أيضًا أن تتم صلاة الاستخارة قبل السفر سواء كانت الاستخارة على أصل السفر من عدمه أو في تفصيله كالرفقة ووسيلة المواصلات وغيره، ولكن لا بد من تَذكر شروط الاستخارة، فلا يكون السفر لأداء فريضة، فليس فيها صلاة استخارة لأن الرأي معلوم فيها، وكذلك ألا يكون السفر لفعل شيء مُحرم فلا استخارة في المُحرم أيضًا، فيشترط أن يكون السفر لفعل مُباح ويقف المسلم متحيرًا فيه أيفعله أم لا.

مقال مُميز:  دعاء الاستخارة وكيف تعرف نتيجة صلاة الاستخارة

وتصلى الاستخارة بالكيفية التي ذكرناها سابقًا سواء كانت الكيفية التي وردت في حديث جابر، وهي الأفضل لقوة صحة الحديث، وسواء كانت الصيغة التي وُردت في حديث أبي أيوب الأنصاري في الاستخارة للزواج.

ويستبدل كلمة “الأمر” في الدعاء “اللهم إن كنتَ تعلَم أن هذا الأمر …” بكلمة “اللهم أن كنت تعلم أن في سفري إلى مكان كذا بصحبة فلان خيرًا لي…” إلى نهاية الدعاء.

وبالنسبة لدعاء الاستخارة للعمل فأيضاً نستبدل “اللهم إن كنتَ تعلَم أن هذا الأمر …” ونقول “اللهم إن كنتَ تعلَم أن هذا العمل أو الشغل …” إلى نهاية الدعاء

هل يجوز أن ندعو دعاء الاستخارة بدون صلاة؟

صلاة الاستخارة من الصلوات، أي إنه يشترط لها ما يُشترط للصلوات، ولكن ماذا تفعل الفتاة أو المرأة عمومًا إذا احتاجت للاستخارة وهي مَعذورة بالعذر الشرعي؟ وماذا يفعل الإنسان عمومًا المتعجل الذي طرأ عليه أمر ويريد استخارة الله فيه، وربما لا يكون الوضوء يسيرًا ولا مكان للصلاة؟

نعلم أن الإسلام دين التيسير، وهناك قاعدة فقهية تقول إذا اتسع الأمر ضاق، وإذا ضاق الأمر اتسع، أي إنه عند الظروف الضيقة توجد الأحكام الواسعة.

فقال العلماء أن للاستخارة ثلاث طرق وهي:

  • الطريقة الأولى التي اتفقت عليها المذاهب الفقهية الأربعة؛ وهي الطريقة التي ذَكرناها هنا فهي المتعارف عليها بالكيفية المَذكورة في حديث جابر (رضى الله عنه) بأن تصلى صلاة الاستخارة ركعتين تطوعًا، وليس فرضًا، ويشترط أن تنوى فيه نية الاستخارة ثم يتبعها المُصلي بدعاء الاستخارة.
  • الطريقة الثانية فيها يمكن أن تكون الاستخارة بدون صلاة وتكون بالدعاء فقط وذلك في الحالات التي تتعذر فيها الصلاة وذلك مثلًا في فترة الحيض أو النفاس للمرأة المُسلمة، والتي رفع الله عنها الصلاة بعمومها سواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا الرأي قال به بعض الأحناف والمالكية، وأيضًا قال به أصحاب المذهب الشافعي في أحد القولين المنقولين عنهم.
  • هناك طريقة ثالثة نقل عن بعض الشافعية وأيضًا عن بعض المالكية، وهو أنه يمكن أن تكون الاستخارة عن طريق الدعاء فقط وذلك بعد كل الصلوات سواء المفروضة أو المسنونة، بل ويمكن أن تكون بدون نية صلاة الاستخارة في الصلوات المسنونة، واستندوا في رأيهم إلي أنها دُعاء كأي دعاء يتم بعد الفراغ من الصلاة، ولذلك أجازوها بعد كل الصلوات.

وعلى أقوال هؤلاء العلماء يمكن أن يُقال دعاء الاستخارة بدون صلاة لعُذر النساء أو بلا عذر، فيستخير بعد الصلوات المسنونة والمفروضة على حد سواء.

كيف تعرف نتيجة صلاة الاستخارة

يخطيء بعض الناس حينما يتصورون أنه كنتيجة حتمية لصلاة الاستخارة أن يرى المُستخير رؤيا تشير له للإقدام أو للإحجام على الأمر الذي استخار الله فيه، وهذا تصور خاطيء؛ لأنه قد يَرى بعض الناس رؤى ولا يرى غيرهم، وليس يشترط أن من رأى رؤيا بعد استخارته في أمر ما أن يرى بعد كل استخارة رؤيا.

إذن كيف يعرف الناس نتيجة استخارتهم؟

ربما بعد الاستخارة يشعر الإنسان بعد الاستخارة أنه مُنشرح الصدر للأمر الذي استخار عليه، أو على العكس قد يَجد نفسه ضيق الصدر ناحيته، ولكن الصواب اليقيني الذي يحدث بعد الاستخارة أن الأمور تتيسر نحو الأمر الذي يرتضيه ربنا لنا ويرى أنه خير لنا في عاجل أمرنا وعاجله، فالله يعلم ونحن لا نعلم، فإن رأى الأمر تَيسر؛ توكل على الله وأقدم، وإن رآه قد ظهرت فيه المشكلات والعراقيل؛ احجم واعلم أنه ليس فيه خير له، وهنا يلغي الأمر الذي استخار عليه

هل يكرر الإنسان الاستخارة؟

نعم يُكررها كما جاء عن أصحاب المذهبين الحنفي والمالكي بل قالوا باستحباب تكرار صلاة الاستخارة لأن في ‏نوعاً من الإلحاح والله يُحب المُلحين في الدعاء، واستدلوا بفعل النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي كان “إذا دعا ‏دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً” رواه مسلم، وأيضًا لأن صلاة الاستخارة في جوهرها هي عبارة عن دُعاء مشروع لطلب الخيرة أي طلب المعونة بالرأي من الله (سبحانه) ولهذا لو كررها الإنسان عِدة مَرات، فلا شيء عليه

يُكرر المُسلم الاستخارة في حالة عدم وصوله إلى قرار بالإقدام أو الإحجام، فعلاج التردد والحيرة بين الأمرين هو تكرار الاستخارة إلى أن يطمئن قلبه إلى أحد القرارين، وقد قال علماء الشافعية بتكرار الاستخارة بدون حد أقصى، فليكثر منها المستخير كما يشاء.

أهمية صلاة الاستخارة

صلاة الاستخارة أمان وضمان أنك في مَعية الله، فقبل كل قرار إذا أديت فيه صلاة الاستخارة ستشعر بأنك مَحفوظ في كل قرارات وستعلم أن القرار الذي أخذته خير لك في الدنيا والآخرة، فيطمئن قلبك وينشرح صدرك حتى لو ظهر لك بعد فترة أن القرار جلب عليك متاعب ومشاكل، فكن على ثقة أنه الاستخارة لم تكن على الخير في الدنيا فقط، بل كانت الخير في الدنيا والآخرة، فتطمئن نفسك أن عاقبة كل أمرك خير -بإذن الله، وأنت في مَعية الله وكل خطواتك قد اختارها لك الله، فيستريح قلبك وتنزل كل الأحداث عليك بردًا وسلامًا فلا تعب ولا نصب ولا ألم، كل ما عند الله هو خير لك، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّهُ له خيرٌ وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمنِ إن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر، وكان خيرًا لهُ وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صبرَ فكان خيرًا له” (مسلم).

عندك سؤال؟ محتاج تفسير لحلمك أو لرؤيتك؟ اكتب استفسارك بالتعليقات وسوف يتم الرد عليك خلال 24 ساعه من المُتخصصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.