دعاء الضيق كما ورد في الكتاب والسنة وعلى ألسنة الأنبياء

 

دعاء الضيق
دعاء الضيق كما ورد في القرآن والسنة.

الضيق في الدنيا شئ طبيعي بل هو الأصل فيها، فكل تضييق فيها جاء لسبب وهو أن الله أدخر الآخرة للمؤمنين وابتلاهم في الدنيا، فعندما نسأل عن أشد الناس ابتلاء في الدنيا لا شك أن أذهاننا تنصرف إلى أنهم العصاة، ولكن المفاجأة أن أكثر الخلق ابتلاء هم أكثرهم قربًا من الله، فروى الترمذي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قَالَ: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ”، (صححه الألباني).

دعاء الضيق من القرآن الكريم

لقد علمنا الله -عز وجل- ما يقوله العبد إذا ضاقت عليه أموره فيلجأ إلى الله بالدعاء، فدلنا على موقف نبي الله أيوب -عليه السلام- حين دعا ربه بعد أن فقد ماله وولده وصحته لمدة تقترب من العشرين عامًا، فدعا ربه بهذا الدعاء:
“وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، وجاءت الآية التالية مباشرة: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ”، (الأنبياء 83- 84).

مقال مُميز:  دعاء الكرب وتفريج الهم من القرآن الكريم والسنة الشريفة

كما أخبرنا عن يونس -عليه السلام- حينما ألقي في البحر فابتلعه الحوت فنادى ربه قائلًا: “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”، فجاءت الاستجابة سريعةً فقال تعالى: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ”، (الأنبياء 87-88).

وعن زكريا -عليه السلام- حين بلغ به الكِبر مبلغه وكان زوجته عاقرًا، ففقد كل أمله في أن تكون له ذرية يحملون هذا الدين من بعده فدعا ربه سبحانه فقال: “وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ”، فجاءت كذلك الاستجابة من الله سبحانه فقال في الآية التالية مباشرة: “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ”، (الأنبياء 89- 90).

مقال مُميز:  دعاء لتخفيف الهم وطلب المغفرة من الله من سورة البقرة

ونلحظ أن الاستجابة جاءت بفاء التعقيب السريعة لأن الاستجابة بحرف العطف (ثم) أبطأ من الاستجابة بالفاء، فهي أسرع استجابة.

دعاء الضيق والهم من السنة النبوية

تمتلئ السنة النبوية بأدعية الكرب والبلاء فمنها:

  • عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول عند الكرب: “لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش الكريم”، رواه البخاري ومسلم.
  • وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر قال: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث”، رواه الترمذي.
  • وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: “سبحان الله العظيم”، وإذا اجتهد في الدعاء قال: “يا حي يا قيوم” رواه الترمذي.
  • وعن أبي بكر الصديق أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت” رواه أبو داود.
  • وعن أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، أو في الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئا” رواه أبو داود، وفي رواية أنها تقال سبع مرات.
  • وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما أصاب عبدًا هم ولا حَزَنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب غمي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا”.
مقال مُميز:  دعاء لطلب المغفرة من الله من سورة الاعراف

فضل دعاء الضيق والهم

دعاء الضيق والهم
فضل دعاء الضيق والهم

دعاء الضيق والهم هو إعلان بالافتقار إلى الله سبحانه وأن الإنسان لا غنى له عن خالقه جل شأنه، فهو يشرح الصدور ويطمئن النفس، فبذكر الله عامة والدعاء تطمئن القلوب كما قال ربنا سبحانه: “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” (الرعد 28).

والله سبحانه يحب الدعاء من عبده المؤمن بل ويغضب على من لا يدعوه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “من لم يسأل الله يغضب عليه”، رواه الإمام أحمد.

أفعال تفك الكرب والضيق وتزيل الهم

والمسلم لكي يرفع البلاء عنه يفعل أفعالًا بالإضافة إلى الدعاء، ومن أهمها:

الصدقة: فالمسلم إذا كان في بلاء تذكر ضعفه أمام خالقه، فإذا كان في مرض هو أو واحد من أسرته أو أحبابه فليتذكر المبتلين بالابتلاءات غيره من الفقراء والمساكين فيعطيهم مما عنده؛ رجاء أن يقضي الله له حاجته  ويستجيب دعاءه ويكشف ما حل به من البلاء والمرض.

مقال مُميز:  دعاء الصباح كاملاً وفضله وأهم معوذات الصباح

فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف”، رواه الطبراني وغيره، وصححه الألباني.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء”.

وهناك أفعال غيرها كثيرة منها: الصلاة، الذكر، الدعاء، السعي على قضاء حوائج الناس، إغاثة الملهوف، فك العاني أي الأسير المحتاج للمال لتخليص نفسه وصلة الأرحام .

وفي المجمل إذا أراد العبد من ربه أمرًا فليقدم من نفسه أعمال بر بعباد الله، فالله -عز وجل- يرفع الضر عن عباده الكرماء الذين لا ينسون الناس وخاصة في كرباتهم.

مقال مُميز:  أجمل أدعية الصباح والمساء القصيرة لجعل صباحك أفضل

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”، رواه مسلم.

ما هو الضيق؟ وهل الله غاضب علي لأنه يحرمني؟  

جاء المسلم إلى الدنيا لكي يختبر لا لكي يتمتع، فكانت الدنيا كلها بكل ما فيها اختبارًا له على صدقه في طاعته لربه، قال تعالى: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”، (الملك 2)، فأساس الإيجاد في الدنيا وأساس خلق الموت والحياة هو الابتلاء والاختبار.

مقال مُميز:  ماذا تعرف عن دعاء الاستخارة للطلاق في الإسلام؟

ولا يتصور إنسان أن المقصود بالابتلاء في الصحة والمال والأولاد هو بالنقص فيهم فقط، بل إن الزيادة أيضًا ابتلاء، فيقول الله سبحانه: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”، (الأنبياء 35).

وقد يكون الابتلاء بالزيادة أشد على نفس المبتلى من الابتلاء بالنقص، على أساس أن المبتلى بالنقص لا يوجد أمامه سبيل إلا اللجوء لربه، فالفقير والمريض والعقيم من السهل عليه أن يتوجه إلى ربه بالدعاء والتقرب منه، أما الغني والصحيح والذي لديه أولاد كثيرون قد لا يفكر في شكر النعمة ويعتبرها حقًا من الحقوق وليست نعمًا تستوجب الشكر.

فتنة السراء تُبعد الإنسان عن الله أكثر من فتنتة الضراء، فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قوله: “ابتلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء بعده فلم نصبر”، (حسنه الألباني)، وهذا الكلام قاله عبد الرحمن بن عوف من ورعه وتواضعه -رضي الله عنه-.

مقال مُميز:  دعاء لطلب الهداية من الله من سورة آل عمران

ويشرح ابن الأثير هذه المقولة فيقول: “أي: إنا اختبرنا بالفقر والشدة والعذاب فصبرنا عليه، فلما جاءتنا السراء، وهي الدنيا والسعة والراحة بطرنا ولم نصبر”.

وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يدخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيته فيراه نائمًا على حصير ما بينه وبينه شيء، ويراه يضع تحت رأسه وسادة من أدمٍ حشوها ليف (أي من جلد ومحشوة بالليف الخشن الذي نعرفه)، وإن عند رجليه قرظاً مصبوباً (أي عند رجله نوع من الجلد) وعند رأسه أُهُب معلّقة (أي جلود معلقة)، ونحن نعرف أن الجلود كانت جلود أغنام أو جلود إبل غير مدبوغة دباغة جيدة، فرأى عمر أثر الحصير في جنبه صلى الله عليه وسلم فبكى تأثرًا بهذا المشهد الذي فيه رسول الله من الفقر،
فسأله رسولنا الكريم: (ما يبكيك؟) فقال له عمر: “يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله” فقال عليه الصلاة والسلام: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟)، متفق عليه.

مقال مُميز:  كل ما تبحث عنه في أدعية الاستخارة في الخطوبة والزواج

ونظرة المؤمن للدنيا من خلال الحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر” رواه مسلم، فيوقن أن الضيق الذي يراه منها يُفضي إلى سعة رحمة الله في الآخرة.

وكلما كان العبد عند الله أحب كلما زاد ابتلاؤه في الدنيا بالسراء والضراء، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط “، رواه  الترمذي.

فليس الابتلاء من الله للعبد دليل غضب عليه بل يكاد يكون دليل حب ورضا، لأن ما عند الله خير وأبقى، وأعظم الناس ابتلاءً هم الأنبياء ليكون أجرهم أكبر عند الله وتكون درجتهم في الجنة أرفع.

عندك سؤال؟ محتاج تفسير لحلمك أو لرؤيتك؟ اكتب استفسارك بالتعليقات وسوف يتم الرد عليك خلال 24 ساعه من المُتخصصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.