دعاء سيد الاستغفار و فضله وشرحه والأوقات المستحبة لقوله

 

دعاء سيد الاستغفار
ماذا تعرف عن دعاء سيد الاستغفار وفضله؟

الاستغفار هو منحة من الله لعباده وفتح لباب الأمل لهم، ولولاه لهلك العباد كلهم، فمن من الخلق لا يذنب؟ ومَن منهم من لا يحتاج عفو الله ورحمته؟! فكلنا عباد فقراء إلى رحمة الله (سبحانه) ونطلب صفحه وعفوه عن كل أخطائنا.

تعريف الاستغفار

فالاستغفار معناه طلب المغفرة من الله عن كل تقصير في حق عبادته (سبحانه وتعالى)، ولهذا يستغفر المُطيع والمُذنب، والإنس والجن، وحتى الأنبياء والملائكة على حد سواء، فكل الخَلق مقصرون.

فالملائكة الذين يطيعون الله ولا يعصونه طرفة عين سيشعرون يوم القيامة بالتقصير، فيخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلّم) بقوله: “يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله (تعالى): “لمن شئت من خلقي”، فتقول الملائكة: “سبحانك ما عبدناك حق عبادتك”، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: “من تجيز على هذا؟”، فيقول من شئت من خلقي، فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك”. السلسلة الصحيحة للألباني.

وحتى الأنبياء وعلى رأسهم محمد (صلى الله عليه وسلم) يستغفرون الله كثيرًا، فيقول ابن عمر (رضى الله عنهما): قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة”. رواه مسلم.

ولا يشترط أن تستغفر بعد ذنب، بل علمنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الاستغفار بعد الطاعات، إذ إنه مهما اجتهد العبد في طاعته فلا بد أن يكون بها تقصير لذا يلزمه الاستغفار، فعن ثوبان (رضى الله عنه) قال: “كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا، وقال: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)”، رواه مسلم

ولقد أمر الله عباده بالاستغفار حيث قال الله (عز وجل): “وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”، البقرة: 199، وقال أيضًا: “وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ”، هود: 3، وقال: “فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ”، فصلت: 6.

وقال على لسان نوح (عليه السلام) وهو ينصح قومه ويدعوهم إلى الإسلام مبينًا فضل الرجوع إلى ربهم: “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا”، سورة نوح الآيات من 10: 12.

وهكذا فالاستغفار يجدد الصلة بالله ويمحو الذنوب والخطايا مهما عظمت، فيقول ربنا في حديثه القدسي: “يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني؛ غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني؛ غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشرِك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة”، رواه الترمذي وصححه الألباني.

مقال مُميز:  هل يجوز دعاء الاستخارة بدون صلاة؟ وما أهميتها وأوقات النهي عن صلاتها؟

الأوقات المستحبة للاستغفار

والاستغفار مُستحب في جميع أوقات اليوم والليلة لكنه في أوقات يكون فيها آكد وأكثر رجاء في تحقيق المغفرة، ومنها:

– بعد وقوع الذنب مباشرة، لنفعل كما فعل أبو البشرية آدم (عليه السلام) إذ استغفر بعد الذنب مباشرة “قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ”، الأعراف: 23، ولقول الله (عز وجل): “إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا” النساء 17، ومعنى “يتوبون من قريب، كما قال المفسرون أنهم تابوا عقب الذنب من قريب، وكل ما في الدنيا قريب فالمهم هو توبتهم قبل أن يأتيهم ملك الموت فعلى المُسلم أن يبادر إلى التوبة بسرعة قبل أن يدهمه الموت.

وكذلك روى أبو ذَرٍّ ومُعاذِ بْنِ جبلٍ (رضى الله عنهما)، عنْ رسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ” رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ، ومعنى “أتبع” أي اجتهد أن تستغفر بعد الذنب مباشرة، ولا تسوف ولا تؤجل توبتك واستغفارك، فلعلك لا تملك الوقت الكافي.

بعد العبادات المفروضة إذ أن المؤمنين الصادقين لا يرون أنهم قد أدوا عباداتهم على الوجه الأكمل، فيستغفرون الله ليقبلها منهم، فبعد الوضوء دعاء أن يجعل الله المتوضئين من التوابين ومن المتطهرين، وبعد الصلاة استغفار، وختم الله آية الحج بأمر الله للمؤمن الحاج بالاستغفار، فقال (تعالى): “ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.  البقرة 199.

وهكذا في دعاء بعد الخروج من الخلاء وفي استفتاح الصلاة استغفار، وفي الأدعية التي وردت في الركوع والسجود وبين السجدتين كلها وردت فيها صيغ استغفار.

وأيضًا عند رؤية الخسوف والكسوف فعند هاتين الظاهرتين العظيمتين ينبغي للمُسلم أن يستغفر، فعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري (رضى الله عنه) قَالَ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: “هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ”، رواه البخاري ومسلم.

مقال مُميز:  اعرف أكثر عن أذكار الوضوء والدخول والخروج من المسجد ودعاء القنوت

ما هو دعاء سيد الاستغفار؟

صيغ الاستغفار كثيرة لكن هذه الصيغة الشاملة لكل خير عدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أفضل صيغة للاستغفار وسماها سيدًا للاستغفار، فروى البخاري عن شَدَّاد بن أَوْسٍ (رضى الله عنه) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: “سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ “.

هذا هو سيد الاستغفار وينبغي على كل مسلم أن يحفظه ويردده دومًا، وينبغي أيضًا أن يعلمه كل أب لأبنائه، فهذا حديث عظيم القدر وله الجزاء الكبير.

متى يقال دعاء سيد الاستغفار؟

يقال دعاء سيد الاستغفار كما أوصانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كل يوم وليلة مرتين، مرة في النهار ومرة في الليل ولا يشترط له وقت محدد، فأي ساعة من النهار، وأي ساعة من الليل تصلح لهذا الذِكر العظيم: “مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ”، ولهذا يمكن أن تقال في أذكار الصباح والمساء.

فوائد دعاء سيد الاستغفار

فائدة دعاء سيد الاستغفار هي أعظم فائدة وأفضل جائزة ينتظرها المسلم، إنها الجنة، إنها غاية مراد المسلم من ثمرة عمله في الدنيا ويوم أن يدخلها المؤمنون ينادي عليهم مناد من قبل الله (تعالى) ليبلغهم أنهم انتهوا من تعب الدنيا ومن الحساب وأهواله والآن وصلوا إلى مستقر رحمة الله ودار كرامته، فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله (عز وجل) ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون”، رواه مسلم.

مقال مُميز:  دعاء لطلب المغفرة من الله من سورة البقرة

هنا زال كل تعب وألم وانتهت آلام فراق الأحبة، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها الخلود بلا موت ولا مرض ولا نقص ولا قلة ولا تغير ولا تبدل.

كل هذا بمداومة كل عبد منا على الدعاء بسيد الاستغفار كل يوم صباحًا ومساءًا، فيقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن ثواب ترديده: “مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ”، إذن فهذا الاستغفار يضمن لصاحبه إن مات بعد أن يقوله أن يكون من أهل الجنة، ولكن بشرط قاله النبي (صلى الله عليه وسلم).

والشرط هو كما وضحه النبي بقوله: “وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا”، الشرط اليقين في هذا الدعاء، اليقين بكل كلمة جاءت فيه، فالذكر ليس ذكرًا باللسان فقط يقوله الإنسان وهو عن معانيه غافل، بل يقوله المسلم؛ متدبرًا معانيه العظيمة؛ مقرًا بكل ما فيه؛ مستجمعًا قلبه وحواسه كلها مع الإقرار بما فيه، فمن فعل ذلك استحق الأجر العظيم.

فضل دعاء سيد الاستغفار

إن دعاء سيد الاستغفار له ميزة عظيمة للغايةً، إذ أنه يحمل من المعاني أجملها وأفضلها. مثلما أن هذا الدعاء العظيم يشتمل في طياته على هذا الكم الهائل من مُفردات المدح لله (سبحانه وتعالى)، والإقرار بالصفات العظيمة جدًا التي يتسم بها الله (سبحانه وتعالى).

كما أنه يحمل من معاني التأدب مع الله (سبحانه وتعالى) الكثير، إذ فيه الاعتراف بربوبيته ووحدانيته المطلقة، مثلما يحمل معنى افتقار العبد لربه خالقه ومولاه وأنه لا قيمة للعبد إلا بتحقيقه العبودية لله (سبحانه) وفيه دوام حاجة العبد لربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ويحمل معنى التماس العون من الله (سبحانه) فالعبد يقر بأنه لا يقدر على شيء دون معونة خالقه العظيم وإن حاجته له دائمة.

إن هذا القدر من المعاني العظيمة لم يتوافر في دعاء آخر من أدعية الاستغفار ولهذا سمي بسيد الاستغفار، إذ أن كل معنى منهم يحتاج من العبد لوقفة عظيمة مع النفس، ولهذا أكد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على اليقين بكل ما فيه لأن كل ما في هذا الدعاء يعبر عن حقيقة إسلام العبد لله وخضوعه المطلق لمشيئته (سبحانه).

مقال مُميز:  ماذا تعرف عن تعريف الرضا؟ وما الفرق بينه وبين القناعة؟

ما هو دعاء سيد الاستغفار مكتوب؟

حديث سيد الاستغفار حديث جامع من جوامع كلمه (صلى الله عليه وسلم) وينبغي على المسلمين حفظه وترديده، ويمكن كتابته في كتب أبنائنا ليكرروه صباحًا ومساء، ويمكن كتابته على اللوحات في المدارس والمصالح الحكومية وغيرها، وهو سهل الحفظ عميق المعنى، وليس له إلا صيغة واحدة.

يقول الصحابي الجليل شَدَّاد بن أَوْسٍ (رضى الله عنه) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: “سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ”. رواه البخاري.

وتوقف العلماء كثيرًا حول سبب تسمية هذه الدعاء بسيد الاستغفار، وتأملوا طويلًا في سبب استحقاقه لهذا الفضل، فقال بعضهم لأنه أظهر السلوك الواجب على المسلم في الدعاء بأن يقر ويعترف الإنسان بضعفه وقوة ربه وبفقره وغنى ربه، وبحاجته لربه واستغناء الله عنا جميعًا، فاقتران الدعاء بالاستكانة والتخلي عن صفات الاستعلاء والغرور من العبد أقرب للاستجابة، وفيه يقدم العبد توبته بين يدي طلبه المغفرة من ربه، وفيه يقر أنه يستعيذ بربه من شر ما فعل ويضيف إلى الله (سبحانه) معاني العزة ويضيف لنفسه معاني الافتقار والتذلل، وهذا هو أبلغ الدعاء وأحسنه ولذا سمي بسيد الاستغفار.

شرح دعاء سيد الاستغفار

ونأتي إلى شرح هذا الدعاء العظيم ليظهر لنا ما اشتمل عليه من كلمات ومعانٍ عظيمة في العقيدة والعبادة والسلوك، من صفات جليلة القدر لله (عز وجل) ومن صفات ضعف واحتياج الإنسان.

يبدأ الدعاء بجملة: اللهم أنت ربي”

هي نعم البداية، ففيها إقرار من العبد بربوبية الله (سبحانه)، ومعناها: الإقرار بأن الله بيده وحده ما ينفع العباد أو يضرهم، والعطاء والمنع، وتدبير الكون وتصريفه، وحياة العباد وموتهم، وأن كل شيء في الكون يجري بأمر الله (سبحانه) لا يشاركه أحد من مخلوقاته فيه، فهو إقرار كامل بأن الملك لله (سبحانه) وحده لا منازع له ولا شريك له ولا شبيه له.

مقال مُميز:  كل ما تريد معرفته عن أذكار الصباح وفضلها ووقتها

لا إله إلا أنت”:

بعد الإقرار بربوبية الله (سبحانه) يأتي الإقرار بألوهيته وبأحقيته للعبادة وحده، فهذه شهادة التوحيد، ولعظم شهادة التوحيد استغفر بها وحدها نبي الله يونس (عليه السلام) عندما ألقي في البحر والتقمه الحوت وأطبقت عليه الظلمات، فنادى ربه بأرجي وأعظم ما يملكه وهو شهادة التوحيد، فقال ربنا (سبحانه): “وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”،الأنبياء: 87.

وقال (صلى الله عليه وسلم) عن دعاء يونس (عليه السلام) أنه يحمل في طياته اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به استجاب، وإذا سُئل به أعطى، فعن سعد بن أبي وقاص يرفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “ألا أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس، فقال رجل: هل كانت ليونس خاصة؟ فقال: ألا تسمع قوله: (ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) رواه الحاكم.

خلقتني وأنا عبدك”

وفيه يحدث العبد ربه ويُقر بأنه الله هو خالقه الذي أنشأه من حيث كان عدمًا ولم يكن شيئًا مذكورًا، وهو يقر بأنه لا يملك من أمره شيئًا، فهو خاضع لقضاء الله فيه، ولا يملك أن يدفع عنه شيئًا أراده الله، وهو عبد مأمور في العبادة يأمره ربه بما شاء وينهاه عما يشاء، فالحلال ما أحله الله له فيعمله، والحرام ما حرمه الله عليه فيجتنبه، إنه التسليم المُطلق لله (سبحانه).

وإن أعلى مقامات ومراتب الإنسان في الوجود أن يكون عبدًا لله، فهذا تشريف للعبد، ولقد تحدث الله عن رسوله في مواطن التكريم بوصف العبودية تشريفًا لرسوله، فقال (سبحانه) عن رحلة التكريم في الإسراء والمعراج: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”، الإسراء 1، وفي موطن التكريم المُطلق بنزول القرآن عليه فقال: “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا”، الفرقان 1.

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت”

هذا تجديد لعهد العبد مع ربه حيث التزم العبد مع ربه بفعل ما أمره الله به، وترك ما نهاه الله عنه امتثالًا للوصية التي أوصى الله بها خلقه، وذلك في قوله (تعالى): “وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا” سورة النساء (131)، واستسمح العبد ربه أن يكون التزامه بحسب استطاعته، فالعبد يعرف ضعف عزمه وقلة صبره فهو على العهد والوعد بقدر استطاعته، والله لا يكلف العبد إلا بقدر تلك الاستطاعة، فقال (سبحانه): ” لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ”.

مقال مُميز:  دعاء لتخفيف الهم وطلب المغفرة من الله من سورة البقرة

“أعوذ بك من شر ما صنعت”

يَقر الإنسان بأن أفعاله السيئة هي التي ستغضب ربه عليه، وهو يخشى غضب ربه، فيستعيذ بالله من نتاج أفعاله ويلجأ إلى الله ليحتمي به من شرها، فكل ما يخافه الإنسان يهرب ويفر منه إلا ربه (سبحانه)، فأخوف العباد من ربهم هم أكثرهم فرارًا إليه لأنهم ينفذون أمر ربهم ونصيحة رسله بقولهم: “فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ” الذاريات 50.

فحتى النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يستعيذ من شر نفسه، وما كان بها أي شر، فكان يستفتح خطبه قائلًا: “الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا …”.

أبوء لك بنعمتك عليَّ”

إن أولى خطوات شكر نعمة الله أن يعترف العبد بنعم الله عليه، أن يعترف أن كل خير تحقق له وكل سوء صرف عنه هو نعمة ومنة من الله وحده، وإن ما أهلك كثيرًا من المتجبرين أنهم تصوروا أن النعم التي بحوزتهم هي ناتجة عن إمكانياتهم العقلية وقدراتهم وخبراتهم مثل قارون الذي طغى وتجبر بما أنعم الله عليه من مال، فقال له الناصحون من قومه لا تفرح بهذا المال إن الله لا يحب الفرحين، ونصحوه الطريقة القويمة للتعامل مع هذا المال: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” القصص(77)، لكنه بغى وتجبر وأنسته النعمة التي أنعم بها ربنا عليه فتصور أنه هو من أتى بالنعمة، فقال: “قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ”، القصص(78).

فكل النعم من الله (سبحانه)، كما قال: “وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله”، النحل: 53، والعبد مأمور بالتحدث بإنعام الله عليه لا بالتحدث عن النعمة بذاتها ونسبتها إلى نفسه، فقال (سبحانه): “وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ” الضحى(11).

مقال مُميز:  دعاء قبل النوم كتابي وصوتي وما قاله الرسول قبل النوم

وأبوء لك بذنبي”

يقر العبد بالأمرين معًا، الإقرار بنعمة الله والإقرار في نفس الوقت بأن العبد قد قابل تلك النعم بالتقصير والذنوب وهذا غاية التذلل لله (سبحانه)، فالاعتراف لله بالتقصير أو الذنب من شيم الصالحين، فهذا آدم وزوجته (عليهما السلام) أذنبا فاعترفا ولم تاخذهم الكبرياء الكاذب ولم يبررا خطأهما بل قالا مباشرة:”قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” الأعراف:23، والاعتراف بالذنب أول أركان التوبة، فالذي لا يقر بالذنب لا يمكن أن يتوب منه.

وهكذا فعل موسى (عليه السلام) عندما وكز الرجل فقتله، فقال الله (عز وجل): “وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ” فاعترف بذنبه  واستغفر من فوره فغفر الله له، “قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” القصص: 15، 16.

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة (رضى الله عنه) عن النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) فِيمَا يَحْكِي عَن ربِّهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالى) قَالَ: أَذنَب عبْدٌ ذَنْبًا فقالَ: “اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعالى: أَذْنَبَ عبدِي ذَنْبًا، فَعَلِم أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ ربِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عبدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ، وَيَأخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ اغفِرْ لِي ذَنبي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالى: أَذْنَبَ عَبدِي ذَنبًا، فعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنبِ، قد غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ”.

فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت”

هو الدعاء الختامي لسيد الاستغفار، وهو الثمرة التي كان كل ما قبلها مقدمة لها، طلب المغفرة هو غاية سيد الاستغفار، فيطلب العبد من ربه المغفرة، وقد سبقها بإقراره بتقصيره وعرفانه بقدر وعظم ربه، وقدر ندم على ذنوبه وخطاياه، ووصل أخيرًا إلى الطلب الذي يتمناه من سيد الاستغفار.

ويقر حقيقة أخيرة وهي إنه لا يغفر الذنوب إلا الله، وإنه يعلم انه لا واسطة بين العبد وربه، فمهما كانت ذنوبه عظيمة وهما كانت أعماله قليلة فباب ربه مفتوح له دومًا ولا يحتاج لوسيط بينه وبين ربه، ربه الذي خلقه ويعلم ما في نفسه ويعلم مقدار ما يحمل العبد داخل نفسه من خير ومن شر، لا يحتاج إلى وسيط، فهو أقرب إليه من حبل الوريد وهو (سبحانه) الذي لا تخفى عليه خافية ويقبل توبة العبد ما لم يغرغر وما لم تطلع الشمس من مغربها، فعن عن أبي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، (رضى الله عنه)، عن النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ ليتُوب مُسيءُ النَّهَارِ، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها رواه مسلم.

مقال مُميز:  احاديث نبوية شريفة صحيحة متفق عليها من صحيح البخارى ومسلم

صيغ لدعاء سيد الاستغفار

للاستغفار صور وصيغ كثيرة منها ما جاء في القرآن الكريم على لسان الأنبياء والصالحين، ومنها ما جاء في السنة الشريفة يوصينا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بها.

ومن أمثلة ما ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى): “ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 147]، وقوله أيضًا على لسان نوح (عليه السلام): رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ [نوح: 28]، ومنها ما جاء عن إبراهيم (عليه السلام): ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، إبراهيم (41)

أما ما ورد في السُنة الشريفة فهو كثير ومنها: عن أبي موسى الأشعري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يدعو بهذا الدعاء “رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير”. رواه البخاري ومسلم.

أما حديث سيد الاستغفار فلم ترد صيغة أخرى له على سبيل الحصر إلا الصيغة التي أوردها البخاري (رحمه الله): “سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ)”.

فهذه هي الصيغة المعتمدة لحديث سيد الاستغفار، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين لنعمه الراضين بقضائه وأمره والمستغفرين دومًا بالليل والنهار، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد.

صور لدعاء سيد الاستغفار

عندك سؤال؟ محتاج تفسير لحلمك أو لرؤيتك؟ اكتب استفسارك بالتعليقات وسوف يتم الرد عليك خلال 24 ساعه من المُتخصصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.