خطبة صلاة الاستسقاء مكتوبة



إن نزول الغيث من الأشياء التي اختص بها الرحمن نفسه، كما جاء في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” ولقد جاء الإسلام في بيئة صحراوية أول ما ظهر، فكان نزول المطر أمر لازم لحياة الناس في تلك الأرض القاحلة، ولذلك كان لصلاة الاستسقاء أبلغ الآثر على حياة الناس ووجودهم.

وصلاة الاستسقاء من النوافل التي يصليها المسلمون طلبًا للغيث أو بمعنى آخر هطول الأمطار، وهي ركعتان يصليهم الإنسان في جماعة وراء إمام.

خطبة صلاة الاستسقاء

خطبة صلاة الاستسقاء وفضلها
خطبة صلاة الاستسقاء

أيها المؤمنون، إن الإنسان المؤمن يذكر الله في كل حالاته، ويطلب منه العون والمساندة، وإذا ما ألمّت به نازلة هرع إلى الصلاة يطلب من الله المساعدة فهو القادر على أن يبدل الحال لأحسنه، وهو القادر على أن يمد صاحب الحاجة بحاجته، وهو القدير يقول للشئ كن فيكون بقدرته، وينشر رحمته ويجيب المضطر إذا ما دعاه، قال تعالى: “وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ.”

وصلاة الاستسقاء هي سنّة مؤكدة عن النبي صلوات ربي وسلامه عليه، وصلاها الخلفاء الراشدين، يقول ابن عبد البرّ: “أجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط: سُنّة مسنونة سنَّها رسولُ الله، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك.”

فتوبوا إلى الله وادعوه تضرعًأ وخفية، وكونوا صادقين، وتوكلوا عليه يصلح لكم أموركم ويغيثكم بما عنده من خير، فهو يملك مفاتيح كل شئ ينفق منها كيفما يشاء، ولا ينقص ذلك مما عنده شئ.

قال تعالى: “قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا.”

خطبة صلاة الاستسقاء قصيرة

أيها الإخوة الكرام، اجتمعنا اليوم لنبتهل إلى الله ونتضرّع إليه أن يفتح لنا أبواب السماء بمطر يكون فيه الرحمة ويغيثنا من جفاف يعصف بكل شئ، فهو ولينا والقادر على أن ينزّل علينا غيث من السماء فيه منافع لنا.

إن صلاة الاستسقاء شرعت من ركعتين في أوقات الجفاف، حيث يتم الجهر في الركعة الأولى بالفاتحة ثم قراءة سورة سبّح اسم ربّك الأعلى، وفي الثانية الفاتحة ثم قراءة سورة الغاشية، ونكبّر فيها سبع مرات في الركعة الأولى ثم خمس مرات في الركعة الثانية.

وهي صلاة تحتاج إلى خطبة وبعدها يحول الخطيب رداءه ويفعل المصلون مثله، ويستقبلون القبلة ويرفعون ايديهم بالدعاء إلى الله.

وعن صلاة الاستسقاء يقول ابن عبّاس – رضي الله عنه: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً (لابساً ثياب العمل) متخشعاً مترسلاً (غير مستعجل في مشيه) متضرعاً.” – رواه الترمذي.

خطبة صلاة الاستسقاء مكتوبة

خطبة صلاة الاستسقاء مكتوبة 2021
خطبة صلاة الاستسقاء مكتوبة

الحمد لله منزّل الكتاب ومجري السحاب، الذي يسوق المطر إلى الأرض الميتة فيحييها وينبت منها كل زوج بهيج، نحمده ونستعينه ونشكر نعمه، فهو يعطي الشاكرين ويزيد الحامدين، ولا يضن على الهاجرين بفضله ورحمته، وسلامًا على نبيه الكريم الذي بعث بالخير والبركة. يا أيها الناس إن الله يحب المتوكلين من عباده، ولو توكل الإنسان على ربّه لرزقه كما يرزق الطير.

عباد الله، إن الماء من أهم نعم الله علينا، فلقد جعل الله منه كل شئ حي، ولقد جعل الله من المطر ما فيه رحمة وسقيا للكائنات كافة، وبه تغتسل الأجواء، وتتطهر الأرض من الدنس، فإذا ما تأخر المطر، وأصيبت الأرض بالجفاف فقد حان الوقت لنهرع إلى الله طالبين منه أن يغيثنا بالأمطار، قال تعالى في كتابه العزيز: “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ”.

وعن صلاة الاستسقاء تقول السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قُحُوط (احتباس) المطر، فأمر بمنبر، فوضع له بالمصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس (ضوءها) فكبّر وحمد الله، ثم قال: “الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم لا إله إلا أنت، أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغاً إلى حين”. ثم رفع يديه، فلم يزل يدعو، ثم حوّل إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، فصلّى ركعتين.

ويقال أن الأرض تمنع المطر بسبب الذنوب والمعاصي الكثيرة التي يسرف ابن أدم في عملها، أما القلوب العامرة بالإيمان التي تتطهر بالتقوى، ويملؤها نور الرحمن، فإن الله لا يمنع عنها الغيث، فالناس تغاث بالاستغفار، وكذا يرفع الله غضبه عنهم عندما يآوبون إليه ويستغفروه على ما بدر منهم من أعمال سيئة.

قال تعالى: “وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا.”

إن المعاصي التي تسود في أحد الأقوام تمنع المطر عن الأرض ما يؤثر حتى على الأشجار والبهائم، قال مجاهد: “إن البهائم لتلعن العصاة من بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر تقول هذا بشؤم معصية بني آدم.”

كم خطبة لصلاة الاستسقاء؟

لصلاة الاستسقاء خطبة واحدة، يؤديها الخطيب، ثم يمتثل بالنبي عليه الصلاة والسلام في تحويل الرداء ويفعل المصلون مثل ذلك، ومن الأحاديث المآثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء ما يلي:

أنَّ رجلًا دخلَ المسجدَ يومَ الجمعةِ من بابٍ كانَ وِجاهَ المنبَرِ، ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قائمٌ يخطبُ، فاستَقبلَ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قائمًا، ثمَّ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ هلَكَتِ الأموالُ وانقَطعتِ السُّبلُ، فادعُ اللَّهَ يُغِثْنا فرفعَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يديهِ، فقالَ: ((اللَّهمَّ اسقِنا)) قالَ أنَسٌ: فواللَّهِ ما نرَى في السَّماءِ مِن سحابٍ ولا قزَعةٍ، وما بينَنا وبينَ سلَعٍ مِن بيتٍ ولا دارٍ. قالَ: فطلعَت من ورائِهِ سحابةٌ مثلُ التُّرسِ فلمَّا توسَّطتِ السَّماءَ انتشَرت ثمَّ أمطَرَت، قالَ: فواللَّهِ ما رأينا الشَّمسَ سَبتًا. قالَ: ثمَّ دخلَ رجلٌ مِنَ البابِ في الجمعةِ المُقْبِلَةِ، والنبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخطبُ النَّاسَ فاستقبلَهُ قائمًا، ثمَّ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ هلَكَتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبلُ، فادعُ اللَّهَ أن يُمْسِكَها عنَّا. فرفعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يديهِ وقالَ: اللَّهمَّ حَوالنا ولا علَينا، اللَّهمَّ على الآكامِ والظِّراب قالَ: فأقلعَت، وخرجَ يمشي في الشَّمسِ.”

وقت خطبة صلاة الاستسقاء

إن وقت خطبة الاستسقاء محل خلاف بين الفقهاء، فمنهم من قال أن الخطبة تأتي بعد الصلاة كما هو الحال لدى جمهور المالكية والشافعية والحنابلة.

أما الفريق الثاني فيقول أن المسألة متروكة للخطيب فإما يلقي الخطبة قبل صلاة الاستسقاء أو يلقيها بعد أن يفرغ من الصلاة، وهذا رأي الإمام أحمد، وابن باز، وابن عثيمين، ، وذلك لأن السنّة وردت على الحالين، والله أعلم.

روي عن النبي صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أنه اسْتَسْقَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمّا سَبَقَهُ الْمُشْرِكُونَ إلَى الْمَاءِ فَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ الْعَطَشُ فَشَكَوْا إلَى رَسُولِ اللّه صَلّى اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ لَوْ كَانَ نَبِيّا لَاسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ كَمَا اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ: ((أَوَقَدْ قَالُوهَا؟ عَسَىَ رَبّكُمْ أَنْ يَسْقِيَكُمْ))، ثُمّ بَسَطَ يَدَيْهِ وَدَعَا فَمَا رَدّ يَدَيْهِ مِنْ دُعَائِهِ حَتّى أَظَلّهُمْ السّحَابُ وَأُمْطِرُوا فَأَفْعَمَ السّيْلُ الْوَادِيَ فَشَرِبَ النّاسُ فَارْتَوَوْا.

وصلاة الاستسقاء ليست خاصة بالمسلمين فقط، فلقد استسقى نبي الله موسى من قبل لقومه كما جاء في الآيات التالية، قال تعالى: “وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.”

وكذلك وردت قصة نبي الله سليمان مع النملة المذكورة في حديث أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خرج سليمان عليه السلام يستسقي فمر بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك اللهم فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.”

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان للصحابة من بعده حكايات مع صلاة الاستسقاء، فيقال أن عمر بن الخطاب قد دعى الله مستعينًا بالعباس عم النبي ليتقبل الله الدعاء وينزل عليهم الغيث، فتقبل الله دعاءه وأغاثهم.

ومن الدعاء المآثور في صلاة الاستسقاء: “اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريعاً مريئاً غدقاً مجللاً عاماً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم لتحيي به البلاد، وتغيثَ به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد. اللهم سقيا رحمةٍ لا سقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرقْ. اللهم اسق عبادك وبلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت.”

اترك تلعيق

Your email address will not be published.