إذاعة مدرسية عن الرحمة وأهميتها ودورها لبناء المجتمع

 

إذاعة عن الرحمة
إذاعة مدرسية مقدمة لأبنائنا الأعزاء تتحدث عن الرحمة وأهميتها

في إذاعة مدرسية عن الرحمة نقول إنها هي الخُلق الذي يجعل الإنسان إنسانًا، فالإنسان الذي يستحق وصف الإنسانية هو الذي يرق للضعيف ويشعر بألم الحزين ويحنو على المريض ويساعد كل ذي حاجة بما يستطيع من إمكانية، هو الذي لا يقف متفرجا فقط على الحدث أن كان في يده أي إمكانية لرفع الضرر وتحقيق النفع لغيره، فهو حينئذ يستحق أن ينعت بالإنسانية وأن يوصف بالإنسان المُسلم الحق.

مقدمة إذاعة مدرسية عن الرحمة

في مقدمة عن الرحمة نحب قول أنها من أعظم القيم الأخلاقية العليا على المستوى الإنساني كله، ولم يكن غريبًا أن يهتم بها الإسلام اهتمامًا خاصًا ويجعلها شعاره الأهم، فالإسلام دين الرحمة.

ولو دققت البحث فلن تجد كتابًا سماويًا إلا ويمتليء بمظاهر الرحمة وآدابها، ويحتوي على نصوص كثيرة تطلب من أتباعه أن يكونوا رحماء، كيف لا؟! وربنا (سبحانه) اسمه الرحمن الرحيم، واستفتح به سور القرآن الكريم ليتذكرها المُسلم كل يوم عشرات المرات ثم ليتخلق بها خُلقا أساسيًا ودائمًا في حياته.

وإذا كان الله يريدنا أن نتعامل مع بعضنا بالرحمة، فقد كتبها على نفسه أولًا، فقال (تعالى): “وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ” الأنعام (54)، فكيف لا يتصف العباد بما كتبه ربنا على نفسه؟!

وحذرنا من الآفة الأخلاقية التي ترتبط بالرحمة، وهي أن يتعامل بعض الناس بالرحمة بين أهليهم أو قبائلهم أو أبناء بلدهم أو معارفهم فقط، وحين يتعاملون مع غيرهم تظهر عليهم الجفوة والغلظة والقسوة، فهذه ليست رحمة بل هي سلوك انتقائي تمييزي عنصري، فأراد ربنا منا أن نتمسك بخلق الرحمة في كل زمان وكل مكان ومع كل شخص، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَرَاحَمُوا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا رَحِيمٌ. قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ وَلَكِنْ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ») رَوَاه الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

وإذا كنا جميعا نفتقر –كعباد– إلى رحمة خالقنا (سبحانه)، فلا بد من أن يتراحم الخلق مع بعضهم البعض، وأن يتراحم بالأخص المؤمنون مع بعضهم البعض، فعن النعمان بن بشير -رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، رواه البخاري ومسلم، أن نكون كالجسد الواحد يتألم الجميع لألم البعض منا، فكيف تتسم تعاملاتنا مع بعضنا بالجفوة والغلظة، وخاصةً في المجتمع المسلم؟

والرحمة لا تشمل العطف على الإنسان فقط، كرحمة الراعي بالراعية، ورحمة الكبير للصغير، والرحمة باليتيم والمسكين وبالأسير وكل مبتلى فقط، بل تشمل كل المخلوقات الضعيفة من حيوان أو طير، فصاحب القلب الرحيم يَرق لكل متألم ويحاول مساعدته، فضلًا عن إنه لا يستغله ويزيد في معاناته.

فقرة القرآن الكريم لإذاعة مدرسية عن الرحمة

ربنا (سبحانه) الذي سمى نفسه الرحمن الرحيم ووصف نفسه بأنه ذو رحمة واسعة فأمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يبلغ الناس -حتى المُكذبين منهم- بعظم رحمته.

فقال (سبحانه): “فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ” -الأنعام (147)- فإذا كان هذا حديث الله للمكذبين، فكيف بحديثه للمؤمنين؟! وماذا أعد لهم من رحماته؟!

وأيضًا في حديثه للعصاة من أمة الإسلام الذين عملوا السيئات ثم تابوا منها، فنجد أن الرحمة تسبقها المغفرة.

فقال (تعالى): (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). الأعراف (153).

والله (عز وجل) يصف رسوله (صلى الله على وسلم) بأنه بصفتي الرأفة والرحمة:

فقال (سبحانه): لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)، ونتيجة لهذه الرحمة اجتمعت عليه الأرواح ولانت له القلوب فقال له ربه عن الصفات التي اجتمعت في وجعلت هذه الآلاف ومن بعدها الملايين تجتمع من حوله فقال (سبحانه): “فَبِمَا رَحمَة مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَوْ كنْت فَظّا غَلِيظ الْقَلبِ لَانْفَضّوا مِن حَوْلكَ فَاعْف عَنْهُم وَاسْتَغفِر لَهمْ وَشَاوِرْهمْ فِي الْأَمرِ فَإِذا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللّه إِنّ اللّه يحِبّ الْمتوكِّلِينَ” آل عمران 159

ولنيل الرحمة الخاصة بالمؤمنين في يوم القيامة لا بد لها من عمل يعمله الإنسان، فالرحمة في الدنيا عامة لجميع الخلق، أما في الآخرة لمن عمل بالأوامر وانتهى عن النواهي.

فقال (تعالى): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218]، ولم يغلق علينا الباب (سبحانه) لنيل رحمته، فدلنا على الطريق الموصلة لها فقال (سبحانه): “ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، الأعراف: 55، 56.

ونزلت على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) آية كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، ولم تكن فرحته بها لنفسه بل للعصاة من أمته.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): (ما أحبّ أنّ لي الدّنيا، وما فيها بهذه الآية “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ”﴾ [الزمر: 53]، رواه أحمد وإسناده حسن.

حديث شريف لإذاعة عن الرحمة

يخبرنا رسول الله بالمستحقين للرحمة وغير المُستحقين لها لأن الرحمة خُلق إذا منحته مُنحته:

فعن جرير بن عبد الله (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): «لا يرحم الله من لا يرحم النّاس» البخاري ومسلم.

فكيف لمن لا يعطى أن يطمع في أن ينال، فإذا أعطيت الرحمة نلتها، وإذا حرمتها غيرك حرمت منها.

عندما دخل رجل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فوجده يقَبِّلُ حفيده الحسن بن علي -رضى الله عنهما-، فتعجب الرجل، وقال: والله يا رسول الله إن لي عشرة من الأبناء ما قبَّلتُ أحدًا منهم أبدًا، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من لا يرْحم لا يرْحم)، متفق عليه، وفي رواية اخطر روتها السيدة عائشة -رضى الله عنها- قالت: جاء أعرابيّ إلى النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فقال: تقبّلون الصّبيان فما نقبّلهم، فقال النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم): «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة» البخاري ومسلم.

وما أخطر هذه الجملة “نزع الرحمة من قلبك” لأن نزع الرحمة من القلوب من علامة الشقاء.

تكون رحمتك على الضعفاء واللين عليهم من لطف ورحمة الله عليك، ودليل قوي أن الله مُتقبل قلبك ومُتقبل إيمانك به:

عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: سمعت أبا القاسم (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: «لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ» الترمذي والحديث حسن، والشقاء هو الطرد من رحمة الله.

إذن الطريق المضمون واليقيني للوصول لرحمة الله أن نرحم عباده:

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السَّماء) رواه الترمذي، ويزيد المعنى إيضاحًا قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (رأيت قصورا مشرفة على الجنة فقلت : لمن هذه يا جبريل؟ قال: “للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس” رواه السيوطي في الدر المنثور.

ليس الباب لدخول رحمة الله أن نرحم الإنسان فقط بل تشمل رحمة الله من رحم حيوانًا أو طيرًا، فالتعبد برحمة الخلائق يوصل لرحمة الله

فعن أبي هريرة -رضى الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): “بينما كلب يطيف بركيّة كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيّ من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به” البخاري ومسلم،

فالله غفر لبغي تمتلئ بالذنوب والمعاصي برحمتها بحيوان يقتله العطش فسقته.

وهذا رسول الله يهتز لألام أنثى طائر ملهوف ويرد لها أولادها:

فعن عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه قال: كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمّرة فجعلت تفرّش جاء النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها»

لنا أن نعرف أن كل الرحمة التي نجدها في الدنيا مجتمعة هي جزء من مائة جزء من الرحمة التي ادخرها الله لعباده يوم الحساب:

فعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة في الأرض، فبها يتراحم الخلق، حتى إن الفرس لترفع حافرها، والناقة لترفع خفها مَخافة أن تصيب ولدها، وأمسك تسعة وتسعين رحمة عنده ليوم القيامة” رواه البخاري وغيره

يقول رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَالَ النَّوَوِيُّ – رَحِمَهُ الله في شرحه لهذا الحديث: (هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ وَالْبِشَارَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ، وَالصَّلَاةُ، وَالرَّحْمَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ (تعالى) بِهِ؛ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِمِائَةِ رَحْمَةٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَدَارُ الجَزَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ؟!)

حكمة عن الرحمة للإذاعة المدرسية

استمع أيها الطالب إلى ما يقوله ابن قيم الجوزية عن مظهر من مظاهر الرحمة قد يظنه بعض الناس لقلة علمهم قسوة:

“إنّ الرّحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه وشقّت عليها، فهذه هي الرّحمة الحقيقيّة، فأرحم النّاس بك من شقّ عليك في إيصال مصالحك ودفع المضارّ عنك”.

“فمن رحمة الأب بولده أن يكرهه على التّأدّب بالعلم والعمل، ويشقّ عليه في ذلك بالضّرب وغيره، ويمنعه شهواته الّتي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلّة رحمته به، وإن ظنّ أنّه يرحمه ويرفّهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل”.

أي أن إذا كان الأب أهمل دوره في منع الأب من شهواته بالعقاب، كان ذلك من قلة رحمته بابنه حتى لو كان الأب ظنّ إنه بهذا الفعل يريح ابنه ويرفهه عنه؛ فتلك هي الرحمة المقرونة بجهل، وعلى هذا فالأب حين يعاقب يكون ذلك من رحمته وشفقته، وكذلك المعلم إذا قسًا ففي قسوته رحمة وشفقة لأنهما يدفعانك للتقدم والترقي، ولكن العقاب يكون بحدود معينة بحيث يعرف الابن خطأه ويعدله لسلوك قويم.

يقول جبران خليل جبران: “الرحمة نصف العدالة”

لأن كثير من الناس لا يحتاج العدل معهم إلى القسوة بل يمكن للرحمة أن تؤثر كثيرًا في الناس أكثر من القسوة.

قال عنها ابن عاشور: (هي رِقَّة في النفس، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه) في التحرير والتنوير.

فأصل الرحمة تحقيق منفعة المرحوم وليس إيذاءه، فأي شئ يحقق منفعة المرحوم يعتبر من الرحمة ولو تغيرت صوره أو أظهرت عكسها، فالنار خلقها الله رحمة للعباد بتخويفهم منها فيعملون أعمالًا صالحة، فيدخلهم ربنا الجنة،

فيقول الله (عز وجل): “مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا” النساء 147

وما أجمل ما نختم به الحكم عن الرحمة للإذاعة المدرسية قول أمير المؤمنين عُمر بن عبد العزيز -رحمه الله (تعالى)-  في دعائه لله الرحمن الرحيم -:

«اللهمّ إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك، فإنّ رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتك وسعت كلّ شيء وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الرّاحمين. اللهمّ إنّك خلقت قومًا فأطاعوك فيما أمرتهم، وعملوا في الّذي خلقتهم له، فرحمتك إيّاهم كانت قبل طاعتهم لك يا أرحم الرّاحمين».

قصة قصيرة عن الرحمة للإذاعة المدرسية

القصة الأولى:

رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) امرأة من السبي أي امرأة من الأسرى بعد قتال، ورآها تجري كالمجانين تبحث في الأطفال، وكلما رأت طفلًا تقلب فيه ثم تضعه وتبحث عن غيره حتى استمر بها الأمر على طفل وكأنها وجدت ضالتها، فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته وهي تضمه بقوة وشدة خوفًا عليه وتعلقا به، فتعجب النبي والصحابة منها، فَقَالَ الرسول (صلى الله عليه وسلم) تعليقًا على الموقف: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قَالُوا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فسبحان من وسعت رحمته كل شئ، أرحم من هذه على ولدها، فهي تخاف على ولدها وتحرص عليه وترحمه، والله أرحم بعباده منها، ولهذا كان يقول حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -رحمه الله-: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَمْرِي صَارَ إِلَى وَالِدَيَّ؛ إِنَّ رَبِّي أَرْحَمُ بِي مِنْ وَالِدَيَّ) وهذه الكلمة عَلَى ثِقَتِهِ بِاللهِ أعظم من ثقته بوالديه ورحمة الله أعظم من رحمة أبويه.

القصة الثانية:

وهي شكوى قالها الجمل للنبي، فعن عبد الله بن جعفر (رضى الله عنهما) قال: دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح ذفراه، فسكت، فقال: “من رب هذا الجمل؟”، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله ، فقال: ” أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟! فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه” رواه أحمد وأبو داود.

هي شكوى تقدم بها الجمل ضد صاحبه الذي يطلب منه العمل بما يطيق ولا يطعمه بما يليق، فالتقوى والرحمة هنا أن يخفف عليه العمل بحسب ما يطيق ويعطى من الطعام ما يسد جوعته ليقوى على العمل.

وإذا كان هذا بالنسبة للجمل واجبًا، فكيف الحال بالنسبة لمن يعملون تحت أيدينا! فالرحمة أن لا نظلمهم، ألا نحملهم ونكلفهم من الأعمال ما لا يطيقون وما هو فوق قدراتهم، وأن نطعمهم مما نطعم بحيث يكفيهم ونعطي لهم رواتبهم العادلة، فقدر الله أن يعملوا لدينا، ويمكن أن يقدر الله تبدل الأحوال، فنعمل نحن تحت أيديهم أو تحت أيدي من هم أقل منهم.

القصة الثالثة:

وفيها النهي عن اتخاذ الأرواح غرضًا للسهام والرمي، ونجده حاليًا في مسابقات الشباب، يتخذون ذوي الأرواح الطيور والحيوانات غرضًا للتباري في الدقة التسديد، وليس لهم من منافع قتل الحيوان أو الطائر سوى التدرب أو اللهو، فعن ابن عُمر (رضى الله عنهما) قال: “لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من اتخذ شيئاً فيه الروح غرَضاً ” رواه البخاري ومسلم، وعن الشريد رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من قتل عصفوراً عبثاً، عجّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني منفعة” رواه النسائي وابن حبان.

القصة الرابعة:

ومن رحمة الإسلام أنه لا يأمر أتباعه بأن لا يظلموا المُسلمين فقط بل أمرهم بالا يظلموا غير المسلمين أيضًا، فعن هشام بن حكيم بن حزام (رضى الله عنه) أنه مرّ بالشام على أناس من الأنباط أهل الذمة حُبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا” فدخل على الأمير فحدثه، بأمر بهم فخلوا. رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

القصة الخامسة:

وفي صحيح البخاري، لَمَّا دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ابنه إبراهيم وهو في سكرات الموت جعلَتْ عَيْنَا رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف -رضى الله عنه-: “وأنتَ يا رسول الله؟”- يعني: تبكي، فقال: “يا بن عوف إنها رحمة”، ثم قال (صلى الله عليه وسلم): ” إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون“

فما كان في البشر إنسانًا أرحم بالضعفاء من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال أُنس بن مالك -وهو خادم- لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): “ما رأيتُ أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكانت وصيته دائمًا بمراعاة حقوق الضعيفين المرأة واليتيم، ولما رأى اهتمام الناس بالذكور من أولادهم وعدم التراحم مع الإناث حث الناس على رحمة بناتهن، فوصى في وصايا عديدة أن يحموهن ويرحموهن ويحسنوا إليهن ويكرموهن في بيوتهم وفي بيوت أزواجهن، ففي صحيح البخاري، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من يلي من هذه البنات شيئًا فأحسن إليهن كن له سترًا من النار”.

كلمة عن الرحمة للإذاعة المدرسية

وكذلك حث على الرحمة بالوالدين عند كبرهما، ففي هذه القصة المؤثرة قصة الشاب الذي قطع الطريق مهاجرًا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من بلاد اليمن طمعًا في ثواب الهجرة والجهاد مع رسول الله رغم عدم رضا والديه، وظلا يبكيان على فراقه، فماذا قال له رسول الله وبم أمره وكيف علق على هذا الموقف وانظروا إلى رحمته (صلى الله عليه وسلم)، ففي مسند الإمام أحمد (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ إِنِّى جِئْتُ لأُبَايِعَكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَىَّ يَبْكِيَانِ. قَالَ «فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» نعم، إن هذه البسمة التي تعلو شفتي الأب والأم الكبيرين الذين يحتاجان إلى ابنها ثواب عظيم في البر والرحمة ولا تقدر بثمن.

شعر عن الرحمة للإذاعة المدرسية

ينصح أبو القاسم بن عساكر -رحمه الله- الناس بفعل الخيرات وترك المنكرات ويخص بنصيحة الرحمة لكي يرحمنا الله، فهي الباب للدخول في رحمة الله:

بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنما ** ولا تكن من قليل العرف محتشما
واشكر لمولاك ما أولاك من نعمٍ ** فالشكر يستوجب الإفضال والكرما
وارحم بقلبك خلقَ الله وارعَهُم ** فإنَّما يرحم اللهُ منْ رَحِما

ويؤكد ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- هذا المعنى فيقول:

إن من يرحم أهل الأرض قد   ***  جاءنا يرحمه من في السماء
فارحم الخلق جميعًا إنما         **    يرحم الرحمن منا الرحماء

وللحافظ زين الدين العراقي كلمات رائعة في هذا المعنى، فيقول:

إنْ كُنتَ لا ترحم المسكينَ إنْ عَدِما ***  وَلا الفقيرَ إذا يشكو لكَ العَدما
فكيف تَرجو مِـنَ الرحمنِ رحمتهُ *** وإنَّمـا يرحمُ الرحمنُ مَـــنْ رَحِـما

ولأمير الشعراء أحمد شوقي أبيات شعر يمدح فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويمدح رحمته بالأمة، فيقول أنه يشبه في رحمته الآباء والأمهات، فهو أب للأمة كلها:

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى *** فالكل في حق الحياة سواء
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا *** منها وما يتعشق الكبراء
زانتك في الخلق العظيم شمائل *** يغرى بهن ويولع الكرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى *** وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا *** لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب *** هذان في الدنيا هما الرحماء

هل تعلم عن الرحمة للإذاعة المدرسية

هل تعلم الفرق بين الرحمن والرحيم عند قولك “بسم الله الرحمن الرحيم”؟

قال الخطّابيّ: “ذهب جمهور العلماء إلى الرّحمن ذو الرّحمة الشّاملة للخلق، والرّحيم خاصّ بالمؤمنين” ولذلك فالرحمة للمؤمنين مضاعفة فيشملهم اسم الرحمن واسم الرحيم.

هل تعلم أن الرحمة موجودة في عالم الحيوان حتى في الحيوانات المفترسة نفسها!

الأسود من الحيوانات التي ترعى صغارها، ففي مجتمع الأسود، يظل الأسد الأب ساهرًا ليلًا لحماية الأسرة جميعها من إناث وأشبال، فلا يغمض له جفن في الليل، وقد أعطاه الله القدرة على حدة البصر بحيث يبصر خمس مرات أفضل من الإنسان، وكذلك السمع، فيسمع الأصوات البعيدة جدًا.

هل تعلم أن الرحمة والشفقة والتضحية لرعاية الأسرة عند طائر البطريق أعظم من كثير من بني الإنسان!

ففي ظل ظروف جوية صعبة جدًا في أكثر مناطق العالم برودة في القارة القطبية الجنوبية حيث تنخفض درجة الحرارة، وتصل إلى  57 تحت الصفر، تضع الأم البيض تغادر المكان لجلب الطعام لستة اشهر كاملة، ويقف الأب حاملًا البيضة على قدميه حتى لا تسقط على الجليد، فيموت الفرخ هذه المدة الطويلة بلا طعام، وعندما يفقس البيض يخرج الأب من فمه الطعام من حويصلة داخله يخزن فيها الطعام لصغاره ثم تعود الأنثى حاملة الطعام، فسبحان الذي خلق فسوى وقدر فهدى.

خاتمة عن الرحمة

خُلق الرحمة خلق عظيم، وله فوئد عظيمة على المرء والمجتمع، فمنها:

رحمة الناس باب للتقرب إلى الله فقد جاء عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: “الخلق كلهم عيال الله وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله” رواه البزار والطبراني في معجمه، ومعنى “عيال الله” أي فقراء الله؛ فالخَلق كلهم فقراء إلى الله (تعالى)، وهو الذي يعولهم، لذلك سموا عيال الله.

الرحمة باب لمحبة الله ومحبة رسوله، فعن عبد الله بن عُمر -رضى الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي) رواه الترمذي.

الرحمة استحقاق لأن يكون الإنسان من هذه الأمة المرحومة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا” وفي رواية “حق كبيرنا” حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

عندك سؤال؟ محتاج تفسير لحلمك أو لرؤيتك؟ اكتب استفسارك بالتعليقات وسوف يتم الرد عليك خلال 24 ساعه من المُتخصصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.